الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
36
نفحات الولاية
الآخِرَةِ » « 1 » والتي تفيد جميعاً ذات المعنى . ثم أشار في هذا السياق إلى أمر آخر فقال : « وَلَا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ » . يرى أغلب الشرّاح أنّ هذه العبارة تشير إلى عدم التجاهر بالمعصية ، لأنّ المعصية الخفية في الواقع معصية واحدة ، بينما تعتبر المعصية العلنية مضاعفة كونها انتهاك للستار وتلويث للبيئة الاجتماعية ؛ إلّاأنّ بعض الشرّاح اعتبرها إشارة إلى أعمال الخير فإنّها أفضل أن يؤتى بها في الخفاء ، والحال العبارة ( وَلا تَهْتِكُوا ) لا تتناسب مع هذا المعنى . على كلّ حال فإنّ اللَّه ستّار العيوب وغفّار الذنوب ؛ فمادام العبد لا يهتك الستر فإنّ اللَّه يستر العيب والذنب . فقد ورد في الحديث عن أمير المؤمنين علي عليه السلام : « ما مِنْ عَبْد إلّاوَعَلَيْهِ أرْبَعُونَ جُنّة حَتّى يَعْمَلَ أرْبَعينَ كَبيرَة فَإذا عَمِلَ أرْبَعينَ كَبيرَة انْكَشَفَتْ عَنْهُ الجُنَنْ » . ثم قال الإمام عليه السلام مواصلًا كلامه : « فَيِوحِي اللَّهُ إلَيهَم أنْ استُروا عَلى عَبدِي بِأجْنِحَتِكُم فَتَستُرُهُ المَلائِكةُ بِأجنِحَتِها ، قَالَ : فَما يَدع شَيئاً مِنَ القَبِيحِ إلّاقَارَفَهُ حَتّى يَمتَدِحَ إلى النّاسَ بِفِعْلِهِ القَبيحَ ، فَيقَولُ المَلائكةُ : ياربّ هَذا عَبدُكَ ما يَدعُ شَيئاً إلّارَكِبَهُ ، وَإنّا لَنَستَحي مِمّا يَصنَعُ ، فَيُوحِي اللَّهُ عزّ وجلّ إلَيهِم أنْ ارفَعُوا أَجْنِحَتَكُم عَنهُ فَإذا فَعَلَ ذَلكَ أَخَذ فِي بُغضِنا أهلَ البَيتِ فَعندَ ذَلِكَ يَنهَتُكُ سِتْرَهُ فِي السَّماءِ وَسِتْرَهِ فِي الأرضِ ، فَيقَولُ المَلائكةُ : ياربّ هَذا عَبدُكَ قَد بَقي مَهتُوكَ السِّترِ ، فَيُوحِي اللَّهُ عزّوجلّ إلَيهِم : لَو كَانتْ للَّهِ فِيهِ حَاجةً مَا أَمرَكُم أنْ تَرفَعُوا أَجنِحَتَكُم عَنهُ » « 2 » . ولعل ارتباط هذه العبارة بالعبارات السابقة أنّ من أسوأ الذنوب التي تخرب الدار الآخرة للإنسان يكمن في التجاهر بالمعصية .
--> ( 1 ) . روي هذا الحديث في عوالي اللئالي ، ج 1 ، ص 267 ، ح 66 عن النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله . ( 2 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 279 ، ح 9 .